السيد علي الطباطبائي
479
رياض المسائل ( ط . ق )
من الفقر عن اشتراط الحرية مع أنه موقوف على القول بعدم مالكية العبد كما هو الأشهر وأما على القول بالمالكية كما هو رأي جماعة مطلقا أو في الجملة فلا تلازم مع أنهم اشترطوا الحرية أيضا فإذن العمدة على اشتراطها الإجماع المنقول المؤيد بعدم ظهور خلاف يعتد به حتى من الإسكافي لعدم تصريحه بالمخالفة مضافا إلى الآية المتقدمة بالتقريب الذي عرفته وفيها الدلالة على اعتبار سائر الشروط أيضا كما سبق إليه الإشارة مضافا إلى الأخبار النبوية المروية في المنتهى في كل من البلوغ والذكورة والحرية فلا يجب على الصبي مطلقا ولا المجنون كذلك ولا العبد بأنواعه حتى من انعتق بعضه ولا الكبير العاجز عن الجهاد ولا المريض كذلك ويجب على القادر منهما ولا الأعمى وإن وجد قائدا وكذا الأعرج المقعد دون من يمكنه الركوب والمشي فإنه يجب عليه الجهاد وإن تعذر عليه شدة العذر كما في المنتهى قال لتمكنه منه أقول مع عدم انصراف إطلاق الآية يرفع الحرج عنه إلى مثله ويتحقق العمى بذهاب البصر من العينين معا فيجب على الأعور والأعشى وغيرهما وإنما يجب الجهاد بالمعنى الأول على من استجمع الشروط المزبورة مع وجود الإمام العادل وهو المعصوم ع أو من نصبه لذلك أي النائب الخاص وهو المنصوب للجهاد أو لما هو أعم أما العام كالفقيه فلا يجوز له ولا معه حال الغيبة بلا خلاف أعلمه كما في ظاهر المنتهى وصريح الغنية إلا من أحمد كما في الأول وظاهرهما الإجماع والنصوص به من طرقنا مستفيضة بل متواترة منها أن القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير ومنها لا غزو إلا مع إمام عادل وفي جملة أخرى الجهاد واجب مع إمام عادل ولا يكفي وجود الإمام بل لا بد من دعائه إليه وعلى هذا الشرط فلا يجوز الجهاد مع الجائر إلا أن يدهم المسلمون من أي عدو يخشى منه على بيضة الإسلام أي أصله ومجتمعة فيجب حينئذ بغير إذن الإمام ونائبه أو يكون بين قوم مشركين ويغشاهم عدو فيجاهد حينئذ ويقصد الدفع عن الإسلام وعن نفسه في الحالين لا لمعاونة الجائر كما في الصحيح وغيره فيأثم ويضمن لو قصد معاونته بلا إشكال وهل يأثم ويضمن لو جاهد بغير قصد قيل نعم وهو أحوط إن لم نقل بأنه أظهر وهل يشترط في العدو الزاحم كونه كافرا كما عن الشيخ أم لا كما عن الأكثر قولان ولا يخفى أن هذا الاستثناء منقطع إذ الجهاد الذي يعتبر فيه إذن الإمام وسائر الشروط إنما هو الجهاد بالمعنى الأول دون غيره اتفاقا والجهاد المذكور بعد الاستثناء وغيره ولذا قال في الشرائع بعده ولا يكون جهادا وأشار به إلى أن حكم الشهيد من عدم تغسيله وتكفينه لا يلحق المقتول هنا وكذا حكم الجهاد من تحريم الفرار وقسمة الغنيمة نعم هو بمنزلة الشهيد في الأجر وإطلاق الأخبار بكونه شهيدا ينزل عليه ومن عجز عن الجهاد بنفسه وقدر على الاستنابة لغيره ممن لا يجب عليه كالفقير وجب عليه الاستنابة وفاقا للشيخ والقاضي والحلي وعليه الفاضل المقداد في كنز العرفان والمحقق الثاني مستدلا عليه بقوله تعالى وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وأن الميسور لا يسقط بالمعسور قال وقوله سبحانه لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ إلى قوله وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ محمول على نفي الحرج عن جهاده بنفسه لكثرة الأوامر الدالة على الوجوب خلافا للفاضلين في الشرائع والمنتهى والمختلف والشهيد الثاني والمفلح الصيمري فيستحب ولعله الأظهر للأصل وفقد المخصص له عدا ما مر وما في الكنز من قوله تعالى وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال ذمهم على عدم إنفاقهم أموالهم مع القدرة عليها وليس ذلك مع الجهاد بالنفس وإلا لكان إنفاقه على نفسه فيكون لا معه وهو المطلق وفيهما نظر فإن تقييد نفي الحرج بما مر ليس بأولى من تقييد الأمر بالجهاد بالمال بما إذا جاهد بالنفس وكذا يمكن تخصيص عموم الميسور بغير محل البحث لآية نفي الحرج كما يمكن العكس فاختياره ليس بأولى من اختيار مقابله وكثرة الأوامر غير موجبة للترجيح في نحو محل البحث مما التعارض فيه بين القطعين وبالجملة التعارض بين الدليلين من الطرفين تعارض الظاهرين يمكن صرف كل إلى الآخر وحيث لا مرجح كما في محل البحث وجب الرجوع إلى مقتضى الأصل وهو عدم الوجوب وآية الذم على ترك الإنفاق ليست نصا في صورة العجز عن الجهاد بالنفس بل ولا ظاهرة فيها إلا على تقدير كون الإنفاق على نفسه مع جهاده بنفسه ليس من الجهاد بالمال في سبيل اللَّه تعالى ولا ريب في ضعفه إذ الإنفاق في سبيل اللَّه تعالى أعم منه على نفسه وعلى غيره قطعا لغة وعرفا هذا مع أن الجهاد بالمال أعم من الاستنابة إذ يدخل فيه أيضا إعانة المجاهدين في الخيل والسلاح والظهر والزاد وسد الثغر كما حكى القول بوجوبها في المختلف عن الحلبي ولكن لم يقولا به ثم إن هذا إذا لم يحتج إلى الاستنابة بأن يعجز القائمون بدونها وإلا فتجب قولا واحدا ولو استناب مع القدرة على الجهاد ووجوبه عليه جاز عندنا بغير خلاف ظاهر وعزاه في المنتهى إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه مستدلا عليه بالنبوي من جهز غازيا كان له مثل أجره والمرتضوي عن الإجعال للغزو فقال لا بأس به أن يغزو الرجل عن الرجل يأخذ منه الجعل وفيهما لولا الإجماع نظر لضعف سندهما ودلالتهما لأن غاية الأخير نفي البأس عن أخذ الجعل للنائب وهو غير جواز الاستنابة للقادر وغاية الأول إفادة الثواب على تجهيز الغازي وهو غير ما نحن فيه وربما يستدل عليه أيضا بأن الغرض من الواجب الكفائي المقتضي لسقوطه عمن زاد عمن فيه الكفاية لحصول من فيه الكفاية تحصيله على المكلف بالواجب بنفسه أو بغيره ولا بأس به والمرابطة إرصاد لحفظ الثغر والمراد به الموضع الذي يكون بأطراف بلاد الإسلام للإعلام بأحوال المشركين على تقدير هجومهم على بلاد الإسلام وكل موضع يخاف منه يقال له ثغر لغة وهي مستحبة مطلقا ولو كان الإمام مفقودا أي غائبا لكن يستحب مع حضور الإمام مؤكدا ومع غيبته غير مؤكد كما في السرائر والمنتهى قال لأنها لا تتضمن جهادا بل حفظا وإعلاما فكانت مشروعة حال الغيبة إلى أن قال من كان رابط حال ظهور الإمام بإذنه وسوغ له القتال جاز له ذلك وإن كان مستترا لم يسوغ له المقاتلة لم يجز له القتال ابتداء بل يحفظ الكفار من الدخول إلى بلاد الإسلام ويعلم المسلمين بأحوالهم وإرادة دخولهم إليهم إن أرادوا ذلك ولم يبدأهم بالقتال فإن قاتلوه جاز له قتالهم ويقصد بذلك الدفع عن نفسه وعن الإسلام ولا يقصد به الجهاد انتهى والأصل